محمد ابو زهره

694

خاتم النبيين ( ص )

حتى تأخذوا منهم رهناء من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم علي أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه . قالوا : لقد أشرت بالرأي . كان هذا تنبيه صدق لبني قريظة ، وإن كان القصد تخذيلهم عن قريش ، ولم يكن كاذبا . ذهب من بعد إلي أبي سفيان بن حرب قائد قريش ، وقال : عرفتم ودى لكم ، وفراقي محمدا ، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت عليّ حقا أن أبلغكموه نصحا لكم ، فاكتموا عني ! فقالوا : نفعل ، قال : تعلموا أن معشر يهود قد ندموا علي ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد ، وأرسلوا إليه ، إنا قد ندمنا علي ما فعلنا ، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم ، فتضرب أعناقهم ، ثم نكون معك علي ما يبقي فنستأصلهم ، فأرسل إليهم أن نعم ، فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا ، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا . ثم خرج إلي غطفان فقال لهم مثل ما قال لقريش . بعد هذا التحذير من ذلك المسلم التقي المدرك ، أرسل أبو سفيان عكرمة بن أبي جهل يستنهض قريظة للقتال وقال لهم : إنا لسنا بدار مقام ، قد هلك منا الخف والحافر ، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه ، وكان اليوم يوم سبت ، فاعتذروا ، وقالوا : لا نعمل فيه شيئا ، وكان بعضنا قد أحدث فيه حدثا ، فأصابه ما لم يخف عليكم . . . ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا ، حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا ، حتى نناجز محمدا ، فإنا نخشي إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال ، أن تتشمروا إلي بلادكم وتتركونا ، والرجل في بلدنا لا طاقة لنا به ، ولا طاقة لنا بذلك منه . هكذا أدركت قريش أن بني قريظة تريد أن تأخذ لنفسها أمانا من الرجعة فيما تقول ، وهي تريد قتلهم ، وأدركت قريظة أنهم لا يريدون تأمينها . وبذلك تم ما أريد من التخذيل بينهم ، وأشد التخذيل ما يكون بفقد الثقة وأن يتظنن كل فريق . ولكن الفريقين مع ذلك استمروا في غيهم ، فكانوا يبثون العيون علي أطم المسلمين التي بها الذراري والنساء ، لينقضوا عليهم ، وينالوا من النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم وأصحابه . فإذا كان للتخذيل أثر ، ففي فقد الثقة بين الفريقين ، ولكن عداوة النبي صلي اللّه تعالى عليه وسلم ما زالت تجمع بينهما ، فلم تنخلع قريظة عن الإيذاء وإرادة الانقضاض علي بيوت المؤمنين .